16 août 2025 | Débats de Souverains

ارموا الظلم في لجج البحر

« لقد قيل الكثير عن "إسرائيل"، إلا الحقيقة »

لقد قيل الكثير عن "إسرائيل"، إلا الحقيقة الجوهرية
فهذا الكيان لم يكن يومًا أمةً حقيقية، بل وهمٌ أُقيم بقوة السلاح وذاكرة الجراح. لم ينبثق عن مسارٍ طبيعي لتكوين الشعوب، بل شُيّد على أساس أيديولوجي وعسكري. أُعلن "دولة"، غير أنّه تأسس على تناقض صارخ: أن يُبنى بيتٌ بمحو بيوت الآخرين. وما كان قائمًا على النفي لا يزدهر إلا بمددٍ من عنفٍ دائم، وما لم يعترف بذاته لا يطيق اعتراف الآخرين بوجودهم. وما وُلد من النفي لا يُثمر إلا في حقول العنف المستديم. إنّ حضوره مرهونٌ بالغياب الذي يفرضه، فكيف لوجودٍ أن يقوم على إنكار وجود سواه؟
منذ قرنٍ ونيف، لم يستمرّ على هذه الأرض كشعبٌ متجذّر، بل كاحتلال متواصل، وبطش لا ينقطع. كيدٌ تغتصب، وجيش يستعمر، وظلم يتردّد كأمواج البحر المتلاطمة. إسرائيل لا تحيا إلا بضجيج أسلحتها، ولا تنجو إلا بارتعاشها تحت وطأة أشباحها. فأيّ كيان ذاك الذي يقوم على قتل أطفال الجوار وتجويعهم؟ لم يتجذّر في 
الأرض شعب، بل منظومة نزعٍ وسلب، وآلة بطشٍ لا تعرف الرحمة: جدران وحواجز، خرائط تعاد صياغتها بحدّ السكين وفوّهة المدفع. حيث يرى البعض وطنًا، لا يتراءى لي سوى ظلمٍ مرفوع إلى مرتبة العقيدة كيف يطمئن نائم على ذاكرةٍ مفروشةٍ بالركام؟ وكيف تتنفّس دولةٌ أحاطت نفسها بجدران تخنق أنفاس الآخرين؟ 
  إسرائيل ليست دولة ذات سيادة مستقرة، بل قوّة استعمارية تتغذّى من الهيمنة. ديمومتها آلية متكررة: ضمٌّ سيطرة قتل، قصف، تهجير. تعلن شرعيتها بلسان، وتهدمها بيدٍ أخرى حين تنكر شرعية غيرها. كيان مطارد بذنبه لا يعرف سلامًا ولا يستقر على حال إنّها لا تدافع عن نفسها من عدوٍّ خارجي، بل من أشباح ماضيها. 
خصمها الحقيقي ليس أطفال غزّة، بل خطيئة ولادتها. يوم حاولت أن تجبر شرّ النازية بشرٍّ صهيوني، وحوّلت احتلال فلسطين إلى ثأرٍ، كتبت حكمها منذ البداية ومنذئذٍ ظلّت لعنة الذنب تطاردها كظلٍّ لا يفارق. لا دولة ولا إنسان ينام مطمئنًّا على وسادةٍ من تهجير وخراب ودماء ومع الصهيونية، يعيد التاريخ نفسه جرحًا لا يندمل
 غزّة، وكل "غزّة" سبقتها، ليست نزاعًا بين شعبين محكومين بالكراهية، ولا عداوة أبدية، بل مواجهة صريحة: بين محتلٍّ ومحتل، بين القوّة والحق، بين الظلم والكرامة. ما يشتعل هناك ليس نار الكراهية، بل جمرُ الظلم. ذلك وحده ما أكرهه، لا الناس ولا الشعوب، لا المؤمنين ولا غير المؤمنين. وحده الظلم، هو ما يجب أن يُلقى في لجج البحر كحجرٍ رجيم
أن أقول "لا أكره اليهود" ليس تورية بل حقيقة ناصعة. لا أكره أحدًا. إنّما أكره الظلم، وأرفضه بكل قوى الفكر والروح. الظلم، كسياسة مخططة بعناية، هو العدو الأوحد الذي يستحق أن يُمحى، كي يولد عالم أكثر عدلاً ولولا القوى الاستعمارية، ما كان لـ"إسرائيل" أن ترى النور. بريطانيا فتحت الطريق، ثم أورثت الراية لأمريكا التي أمدّتها بالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. لولا هذا الدعم، لما بقيت لحظة في بيئة تسعى بنفسها لجعلها معادية إنّها ليست أمة، بل قاعدة متقدمة، رأس جسرٍ للغرب في قلب الشرق. بلا هذا السند، لما كانت إلا ذرة رملٍ تذروها الرياح غزّة إذن ليست مجرد ساحة حرب، بل رمز المأزق. ليست كراهية أزلية ولا نزاعًا دينيًّا، بل قضية عدالة وحق والظلم هنا ليس خطأ عابرًا، بل بنية متأصّلة في المشروع الصهيوني، محصّنة برعاية الغرب. فهو ليس دولة طبيعية بل شذوذ تاريخي
المشكلة إذن ليست مع شعب، بل مع ظلم. وفي فلسطين يتجلّى هذا الظلم في أوضح صوره، فكانت المقاومة واجبة محتومة قد يراها البعض عنفًا، لكنها في ميزان الحق مقاومة مشروعة، ورفض للمحو، وثمن رهيب للكرامة. أن تكون فلسطينيًّا تحت الاحتلال، يعني أن تكون صوت المقاومة. أن تنطق "فلسطين"، يعني أن تنطق "الأمل". الأرض ليست جغرافيا فقط، بل رمز العدالة المنتزعة من أيدي الطغاة، والذاكرة التي تأبى النسيان المقاومة الفلسطينية لا تنبع من الكراهية، بل من إرادة الحياة، من العناد على الصمود، من الدفاع عن بيتٍ وزيتونةٍ وأفق. هي صرخة وجود في وجه الفناء، وإن بثمن آلاف الشهداء. هي الاسم الأخير للكرامة الإنسانية
 المقاومة الفلسطينية هي الكلمة التي تنهض في وجه صخب الحديد والنار. فلسطين أرضٌ تُستعاد لا من المحتل فقط بل من النسيان. أرض تنهض كل فجر  وإن كانت مغطاة بالرماد، لتعلن للعالم: الظلم لن تكون له الكلمة الأخيرة اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن تقول "فلسطيني" يعني أن تقول "مقاومة"، وأن تقول "فلسطين" يعني أن تقول أمل. أرض تُستعاد وتُبنى من جديد لا في الخرائط وحدها، بل في الوعي والروح، لتبقى شاهدًا أنّ الظلم لا يملك الخاتمة، وأن ذاكرة المقهورين ما تزال قادرة على الوقوف في وجه الجبّارين، وأنّ العدل، مهما دُفن تحت الركام سيظل وجه المستقبل
 .محمد لطفي

ML/2025

Plus de contenus