La conservatrice du Petit musée de Abdelwahab Doukali
ML/2026
غادة المحافظة
غادة، محافظة المتحف الصغير لعبد الوهاب الدكالي
يتبدّل وجه الدار البيضاء يوم الجمعة. فالمدينة التي اعتادت الانغماس في صخبها الدائم تبدو وكأنها تخفّف فجأة من إيقاعها. تتنفسالشوارع العريضة بحرية أكبر، وتستعيد الأرصفة شيئاً من فسحتها، وحتى العمارات تبدو كأنها دخلت في هدنة مؤقتة. بالنسبة إلىكثيرين، هو يوم الصلاة. أما بالنسبة إليّ وإلى ابن عمي، فلصلاتنا هيئة أخرى. إنها المشي. نمشي طويلاً، من غير برنامج محدد ولاوجهة مرسومة سلفاً. نعشق أن نعبر الدار البيضاء على أقدامنا، وأن ندع أنفسنا تنقاد إلى واجهة جميلة، أو منظر بعيد، أو ذكرى عابرة. وعندها تتحول المدينة إلى متحف هائل في الهواء الطلق
وفي نهاية تلك المسيرة الطويلة، كانت تنتظرني وجهة محددة. كان عليّ أن أتوجه إلى محطة الدار البيضاء الميناء لأستقل قطار العودةإلى الرباط. وكان النهار يوشك أن يطوي صفحته بهدوء حين كنا نعبر شارع الزرقطوني. وفي تلك اللحظة اجتاحني شعور لم أكنأتوقعه. شعور مباغت بلغ من القوة ما كاد يدفعني إلى التوقف. وعلى بعد خطوات قليلة مني ارتفع مبنى الحرية. رفعت بصري إلى هيئتهالمألوفة، وخلال ثوان معدودة اختفى كل ما حوله
لطالما مارس هذا المبنى عليّ سحراً خاصاً. فقد صممه المهندس المعماري ليونار موراندي سنة 1949، واكتمل بناؤه سنة 1951، وكانأول ناطحة سحاب في إفريقيا، وأول مبنى شاهق الارتفاع في القارة بأسرها. وحتى اليوم، رغم ما عرفته الدار البيضاء من تحولاتوظهور مبان أكثر ضخامة وارتفاعاً، ما يزال يحتفظ بشيء من الهيبة والوقار. إنه يشبه أولئك النبلاء القدامى الذين لم يعودوا بحاجة إلىإثبات مكانتهم، لأن حضورهم وحده كفيل بأن يروي تاريخاً بأكمله
تربطني بهذا المبنى علاقة غريبة، قوامها الإعجاب وحلم طال انتظاره. فمنذ سنوات وأنا أحمل رغبة في بلوغ طابقه الأخير، الطابقالسابع عشر. كنت أريد أن أرى الدار البيضاء من هناك. أن أراقب الشوارع الكبرى وهي تتحول إلى خطوط من الضوء، والسياراتوهي تغدو ألعاباً صغيرة، والمدينة كلها وهي تمتد حتى تلامس الأفق. كان حلماً متواضعاً، يكاد يكون طفولياً، غير أن بعض الأحلام لاتحتاج إلى عظمة كي ترافقنا طوال العمر. إنها تستقر في زاوية من القلب، وتنتظر بصبر اللحظة المناسبة
ولم أكن أعلم أن هذا الحلم سيتحقق أخيراً في مساء ذلك الجمعة
غير أن الانفعال الذي اجتاحني آنذاك لم يكن سببه المبنى وحده، بل كان سببه أيضاً خاطرٌ استقر في ذهني. خاطر رجل غادرنا قبلأسابيع قليلة، وما زال غيابه يثقل روحي منذ يوم الجمعة الثامن من مايو سنة 2026. لقد رحل عبد الوهاب الدكالي. وعلى الرغم منبلوغه الخامسة والثمانين من العمر، لم أستطع أن أتقبل فكرة رحيله. ومثل كثير من المغاربة، ما زلت أشعر أنه غادرنا على عجل. قبلوفاته بعشرة أيام فقط، كان عبد الوهاب الدكالي لا يزال واقفاً على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، يوم الثامن والعشرين من أبريلسنة 2026
لم يحالفني الحظ يوماً بلقائه. لم أتبادل معه كلمة واحدة، ولم أصافحه قط. ومع ذلك، كنت أشعر، شأن ملايين المغاربة، أنني أعرفه منذزمن بعيد. لقد رافق صوته أجيالاً كاملة. عبر البيوت والسيارات والأعراس والسهرات العائلية وذكريات الطفولة. ومنذ نجاحه الكبيرالأول "يا الغادي ف الطوموبيل" أحدث ثورة حقيقية في الأغنية المغربية بأناقة نادرة. هناك من يترك أثراً في عصره وهناك من يتحولإلى جزء من ذاكرتنا الداخلية. وكان عبد الوهاب الدكالي من هذا الصنف الأخير
ومنذ رحيله وأنا أشعر بفراغ حقيقي. وأشعر أيضاً بندم عميق، لأنني لم ألتقه قط. وكنت أعلم أن في الطابق السابع عشر من مبنى الحريةمتحفاً أنشأه بنفسه. مكان عاش فيه وحيداً ستة وعشرين عاماً مكان يضم ذكرياته ومقتنياته وأرشيفه وجزءاً من روحه. ومنذ زمن وأناأتمنى زيارته. وفي تلك اللحظة بالذات بدت تلك الزيارة أمراً بديهياً لا يقبل التأجيل
القطار قادر على الانتظار. و الرباط قادرة على الانتظار أيضاً. لم يكن وارداً أن أمر على بعد أمتار قليلة من ذلك المتحف دون أن أطرقبابه. كانت تلك طريقتنا، أنا وابن عمي، في تقديم التعازي. وطريقتنا في إلقاء التحية الأخيرة على رجل منح الثقافة المغربية الكثير. كنتأريد أن أرى عن قرب ما اختار أن يحتفظ به حوله. وأن أفهم الإنسان الكامن خلف الفنان. وأن أقترب، قدر المستطاع، من ذاكرة من كانرسول الحب، وإنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إنساناً عظيماً
أما ابن عمي، الذي يسكن تقريباً في ظل مبنى الحرية، وكان كثيراً ما يصادف صاحب أغنية «حبيب الجماهير, فلم يكن يعلم أصلاً بوجودهذا المتحف
وبعد دقائق قليلة، كنا نعبر معاً مدخل المبنى. وكان المصعد ينتظرنا أمامنا كرفيق سفر قديم. دخلناه بحماسة المستكشفين المتجهين نحوأقاصي الشمال
أغلقت الأبواب وبدأ المصعد صعوده. كانت الطوابق تمر ببطء. وكلما ارتفعنا شعرت أنني أبتعد شيئاً فشيئاً عن ضجيج الدار البيضاء. وكأن كل طابق يقربنا من عالم آخر. الطابق الخامس عشر. ثم السادس عشر. وأخيراً السابع عشر. طابقي المنشود. بعد كل تلك السنوات،وصلت إليه أخيراً. ولم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام. فبعض المسرات تبدو ضئيلة في أعين الآخرين، لكنها عظيمة عند من انتظرهاطويلاً
عندما فُتح الباب، لم نشعر أننا ندخل متحفاً. كان الجو أقرب إلى زيارة قريب رحل منذ وقت قصير كأننا على وشك أن يستقبلنا عم مثقف،مولع بالاقتناء، خرج للحظات وسيعود بعد قليل. كان المكان حياً ودافئاً على نحو مدهش. كان الدكالي حاضراً في كل شيء. وكأنهينتظرنا
وكان المتحف مفتوحاً بالفعل. أما المرأة التي استقبلتنا فكان اسمها غادة. غادة المحافظة. غادة محافظة المتحف ومعها بدأت حكاية أخرى
عندما فُتح باب المصعد، لم نشعر أننا ندخل متحفاً بالمعنى المتعارف عليه. كان الجو أقرب إلى زيارة قريب غاب منذ وقت قصير. خُيّل إلينا أننا على وشك أن نستقبل عماً مثقفاً، مولعاً بالاقتناء والجمال، خرج للحظات وسيعود بعد قليل. كان المكان نابضاً بالحياة على نحو مدهش، دافئاً ومألوفاً، حتى إن الغياب نفسه بدا عاجزاً عن فرض حضوره الكامل. في كل زاوية من زواياه كانت آثار صاحبه ما تزال تتكلم بصمتها الخاص. لم يكن عبد الوهاب الدكالي حاضراً بجسده، لكنه كان حاضراً في كل ما حولنا. وكان المرء يشعر، منذ اللحظة الأولى، أنه ما يزال يستقبل زواره بطريقته الخاصة
كان المتحف مفتوحاً بالفعل. أما المرأة التي استقبلتنا فكان اسمها غادة. غادة المحافظة، أو بالأحرى الروح الساهرة على هذا المكان. ومنذ الدقائق الأولى أدركنا أن زيارتنا لن تكون مجرد جولة بين المعروضات والذكريات، بل بداية حكاية أخرى لا تقل إثارة عن الحكاية التي جاء المتحف نفسه ليرويها
فمن تكون غادة؟ منذ اللحظة الأولى تستوقف الزائر هيئتها وحضورها. كانت ترتدي جلباباً أسود يزينه وشاح أصفر مشرق يضفي على مظهرها لمسة من الأناقة والبهجة. طويلة القامة، رزينة الملامح، تبدو في عقدها الرابع، وتشع منها تلك الثقة الهادئة التي تميز الأشخاص الذين يجدون معنى عميقاً فيما يقومون به. وسرعان ما بدأ سؤال يلح عليّ. هل هي ابنة عبد الوهاب الدكالي؟ أم إحدى قريباته؟ أم صديقة قديمة من دائرته المقربة؟ فقد بدا لي أن هذا القدر من المعرفة الدقيقة بالرجل لا يمكن أن يكون وليد المصادفة
كانت تتحدث عنه كما لو أنها عرفته منذ زمن بعيد. لم تكن تعرف الفنان فحسب، بل كانت تعرف الإنسان أيضاً. فما من قطعة معروضة إلا وكانت ترتبط لديها بحكاية، ولا صورة إلا وكانت تفتح باب ذكرى، ولا لوحة إلا وتحمل قصة تسارع إلى مشاركتها معنا. وكلما استمعت إليها أكثر، ازددت اقتناعاً بأن بينهما رابطة عائلية أو شخصية وثيقة. غير أن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. فلم يكن بينهما أي رابط من روابط القرابة. وإنما جمعتهما علاقة من نوع آخر، علاقة صنعها الزمن والثقة والعمل اليومي إلى جانب رجل انتهت إلى معرفة عالمه في أدق تفاصيله
ومن خلال الشروح التي كانت تقدمها غادة، أخذ المتحف الصغير يتسع أمام أعيننا شيئاً فشيئاً حتى بدا أشبه بعالم كامل. خلف كل واجهةزجاجية كان فصل جديد من حياة عبد الوهاب الدكالي يطل برأسه. وكانت الأعواد من أكثر القطع إثارة للإعجاب. فقد انتصبت في المكانبأبهة تكاد تكون ملكية، كأنها حارسان نبيلان يسهران على بقية المقتنيات. أحدهما كان هدية من الموسيقار محمد عبد الوهاب، أما الآخرفكان يعود إلى القصبجي، الموسيقار الكبير الذي رافق أم كلثوم طوال مسيرتها الفنية. وكانت مجرد رؤية هذين العودين كافية لتذكيرالزائر بالمكانة التي احتلها عبد الوهاب الدكالي في المشهد الموسيقي العربي، وبالعلاقات الرفيعة التي جمعته بأبرز أعلام الفن في العالمالعربي
وحول تلك الكنوز الموسيقية كانت تتراكم مئات الشهادات والأوسمة والتكريمات. كؤوس وجوائز ورسائل وصور وأسطوانات قديمةومقالات صحفية وقصاصات نادرة وسيرة ذاتية ووثائق متنوعة تشهد على مسيرة امتدت لعقود طويلة. وبين كل تلك المعروضاتاستوقفتني صورتان على وجه الخصوص. الأولى تجمعه بأم كلثوم أثناء زيارتها التاريخية إلى الدار البيضاء سنة 1968، والثانية تجمعهبالموسيقار محمد عبد الوهاب. وكان الزائر يشعر أحياناً أنه لا يتجول داخل متحف، بل داخل ذاكرة متجسدة في الأشياء. ذاكرة رفضتأن تنطفئ أو تتوارى، وما تزال تنبض بالحياة بين الجدران
وكانت هناك مفاجأة أخرى تنتظر الزائر. فالكثيرون يعرفون عبد الوهاب الدكالي مطرباً وملحناً ومؤدياً استثنائياً، لكن قلة منهم تعرفجانباً آخر من شخصيته. جانب الرسام. فقد كشفت جدران المتحف عن هذه الموهبة الأقل شهرة في مسيرته. كانت هناك لوحات منإبداعه الشخصي، إلى جانب أعمال أنجزها فنانون مغاربة تكريماً له واحتفاء بمكانته. ومن لوحة إلى أخرى كان يتشكل أمامنا وجه جديدللرجل، وجه مبدع لا يكف عن البحث عن منافذ جديدة للتعبير
وكان واضحاً أن الإبداع بالنسبة إليه لم يكن محصوراً في الموسيقى وحدها. فعندما كانت الألحان تصمت، كانت الألوان تتولى الكلام. وحين يهدأ الغناء، كانت الريشة تواصل ما بدأه الصوت. ولهذا منح التعايش بين الموسيقى والرسم للمتحف عمقاً خاصاً. فالزائر لا يلتقيفيه نجماً من نجوم الأغنية المغربية فحسب، بل يكتشف شخصية متعددة المواهب، يقودها فضول دائم وشغف لا يخبو تجاه مختلف أشكالالجمال
ثم تأتي الشرفة. أو لعل من الأجدر أن نسميها المكافأة الكبرى التي ينتظرها الزائر في نهاية الجولة فبعد عبور القاعة الرئيسية للمتحف،ينفتح المكان فجأة على فضاء معلق بين السماء والأرض بعض النباتات، ومساحات من الخضرة، ثم تلك الإطلالة المدهشة على الدارالبيضاء. ومنذ سنوات طويلة كنت أحلم بالوصول إلى الطابق السابع عشر من مبنى الحرية. وكثيراً ما تساءلت عما يمكن أن يشعر بهالإنسان وهو ينظر إلى المدينة من هذا الارتفاع. لكن الواقع تجاوز كل ما تخيلته
اقتربت من الشرفة، فاكتشفت داراً بيضاء أخرى. تحولت الشوارع الكبرى إلى خطوط دقيقة، وفقدت العمارات شيئاً من كبريائها المعتادلتصبح عناصر صغيرة في مجسم حضري هائل. أما السيارات فلم تعد سوى نقاط متحركة تنساب بهدوء في المشهد. وفي البعيد كانالأفق يمتزج بضوء المحيط، حتى بدا من الصعب التمييز بين البحر والسماء
وكان في ذلك المنظر شيء يكاد يلامس الخيال. لبضع دقائق نسيت المتحف نفسه. اكتفيت بالتحديق في مدينة كنت أظن أنني أعرفها جيداً،فإذا بها تكشف لي وجهاً جديداً لم أره من قبل. ومن ذلك العلو لم تعد الدار البيضاء مجرد ازدحام مروري أو مواعيد فائتة أو متاعبيومية. استعادت صورتها الأولى كإنجاز إنساني مدهش، مدينة شُيدت بالحلم والعمل والإرادة
ولهذا شعرت أن هذه الشرفة وحدها تصلح لأن تكون متحفاً قائماً بذاته. بل إنها بدت لي أقرب إلى عمل إلهي مفتوح على الدوام أمامأنظار الزائرين. وفي تلك اللحظة أدركت أن اسم المبنى لم يكن مجرد اسم. فـ«الحرية» هنا لا تشير إلى بناء من الإسمنت والحديدفحسب، بل إلى إحساس عميق يصعب وصفه بالكلمات
طوال الزيارة، رافقتنا غادة بكثير من اللباقة والهدوء. كانت تتدخل حين تدعو الحاجة إلى التوضيح، ثم تترك لنا الوقت الكافي للتأملواكتشاف المكان بأنفسنا. لم تكن من أولئك المرشدين الذين يملؤون الصمت بالكلمات، بل كانت تدرك أن بعض الأماكن تحتاج أحياناً إلىلحظات من السكون أكثر مما تحتاج إلى الشرح. ومع ذلك، فإن حضورها أخذ يكتسب مع مرور الوقت أهمية متزايدة، حتى أصبح جزءاًلا يتجزأ من تجربة الزيارة نفسها
وفي نهاية الجولة، جلسنا قرب الفضاء الذي اعتاد عبد الوهاب الدكالي أن يستقبل فيه الصحفيين والمعجبين. وهناك بدأت غادة تتحدث عنمسارها الشخصي. علمنا أنها حاصلة على درجة الماستر في اللغة الألمانية، وأنها تتقن عدداً من اللغات الأجنبية. غير أن أبرز ما شدانتباهي فيها لم يكن تكوينها الأكاديمي، بل علاقتها الاستثنائية بالكلمة. فقد كانت تمتلك قدرة نادرة على الإصغاء والفهم وصياغة المعانيبدقة ووضوح. وربما كان هذا تحديداً ما جعلها تتحول تدريجياً إلى أكثر من مجرد محافظة على المتحف
ومع مرور السنوات أصبحت واحدة من أقرب الأشخاص إلى الفنان في حياته اليومية داخل هذا الفضاء. وخلال اللقاءات الإعلامية التيكان يجريها، كانت بعض الأسئلة تصل إليه بصياغة مرتبكة أو بصوت يصعب تمييزه. عندها كانت غادة تتدخل بهدوء، فتعيد صياغةالسؤال وتقدمه بصورة أوضح. لكنها لم تكن تترجم الكلمات فحسب، بل كانت تترجم المقاصد أيضاً. كانت تحاول أن تنقل الفكرة الحقيقيةالكامنة وراء السؤال، وأن تزيل ما قد يحيط بها من غموض أو التباس. ومع تقدم العمر وبدء ضعف السمع لدى الأستاذ، كما كانت تسميهدائماً، أصبحت هذه المهمة أكثر أهمية من أي وقت مضى
غير أن حديثها لم يلبث أن أخذ منحى أكثر تأثيراً في النفس. فقد انتقلت إلى الحديث عن اليوم التالي للجنازة. يوم وجدت نفسها وحدهاداخل المتحف. وكانت تلك الوحدة مختلفة عن كل ما عرفته من قبل. وحدة لا يخلو فيها المكان من الحضور، بل يكاد يفيض به. فوجه عبدالوهاب الدكالي كان يطل عليها من كل مكان. من الصور المعلقة على الجدران، ومن اللوحات الفنية، ومن المقتنيات التي رافقته طوالحياته، ومن الذكريات التي تراكمت هنا على امتداد سنوات طويلة
ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ أن عرفت هذا المكان، كانت الغلبة للغياب. فبعد ثلاث سنوات من العمل اليومي إلى جانبه، لم تفقد مجردصاحب عمل أو فناناً كانت تتعاون معه. لقد فقدت إنساناً ارتبطت به بعلاقة إنسانية عميقة. كانت تعرف تفاصيل عالمه، وتاريخه،وعاداته، وتتمتع بثقته الكاملة. ولذلك بدا الفراغ الذي تركه رحيله هائلاً إلى درجة يصعب وصفها
وتساءلت يومها، كما روت لنا، كيف يمكن للمرء أن يواصل عمله في مكان يذكره في كل دقيقة بشخص لم يعد موجوداً؟ كيف يستطيع أنيواجه هذا الكم من الذكريات دون أن ينكسر؟ في البداية لم تحاول مقاومة مشاعرها. تركت دموعها تنساب بحرية. ثم اتخذت قراراً لمتكن تتوقعه هي نفسها
جلست في المكان الذي كان يجلس فيه الصحفيون عندما يأتون لإجراء الحوارات مع عبد الوهاب الدكالي. وكان أمامها مباشرة المقعدالذي اعتاد الجلوس عليه للإجابة عن أسئلتهم. وهناك، وسط صمت المتحف، بدأت تتحدث إليه. تحدثت إليه طويلاً، كما لو أنه ما زالحاضراً أمامها. وكأن الموت، على قسوته، لم ينجح في قطع ذلك الحوار الذي جمعهما سنوات طويلة
أخبرته بما جرى في جنازته. حدثته عن الوجوه التي جاءت لتوديعه. وعن التأثر العميق الذي بدا على الحاضرين. وعن كلمات المحبةوالوفاء التي ترددت في ذلك اليوم. وروت له كيف أن المغاربة، على اختلاف أعمارهم ومشاربهم، كانوا يشعرون بأنهم فقدوا واحداً منأفراد عائلاتهم. ثم حاولت أن تطمئنه. قالت له إن المتحف سيظل مفتوحاً. وإن الزوار سيواصلون المجيء. وإن ذكراه لن تغادر هذاالمكان الذي أحبّه وأفنى سنوات طويلة من حياته في بنائه والمحافظة عليه
وبينما كنت أستمع إليها، أدركت أن ما يروى أمامي يتجاوز حدود قصة شخصية بين موظفة وصاحب عمل. لقد كان حديثاً عن الوفاء،وعن تلك الروابط الإنسانية التي تتشكل بصمت مع مرور الزمن، حتى تصبح أقوى مما نتخيل. وكان من المستحيل ألا يتأثر المرء وهو يرى كيف تحولت مهمة مهنية بسيطة إلى رسالة حقيقية تحملها امرأة آمنت بقيمة المكان وصاحبه، وقررت أن تواصل حراسة الذاكرة بعد رحيل صاحبها
Mohamed Lotfi

















Doukali n’était qu’un bachar.
Mais un grand bachar.
9 Mai 2026
« Le jour des funérailles de Doukali, j’espère être au Maroc pour y assister. »
L’homme qui m’avait dit cela vit au Canada depuis longtemps, comme moi. Nous partageons deux liens précieux. Nous sommes tous les deux les grands-pères du même petit garçon de quelques mois. Et nous partageons la même tendresse, la même passion pour Doukali.
Son vœu m’avait paru étrange. Il me ne parlait pas d’un homme, mais d’une saison entière de notre mémoire collective. Doukali fait partie de ces artistes qu’on imagine éternels parce qu’ils étaient déjà là avant nos souvenirs d’enfance.
Quand Doukali était venu à Montréal, il y a une quinzaine d’années, on aurait pu croire qu’un consul, un ambassadeur ou du moins un attaché culturel viendrait l’accueillir à l’aéroport. Mais celui qui l’attendait, c’était le père de ma belle-fille, avec sa fille à ses côtés portant un bouquet de fleurs. On aurait dit une famille venue accueillir un cousin revenu de très loin.
Dans chacune de nos réunions familiales, il y a toujours un moment où le nom de Doukali revient s’asseoir parmi nous. Une chanson. Une anecdote. Une entrevue ancienne. Une controverse oubliée. Puis, inévitablement, un rappel. Doukali est un artiste complet.
Le père de ma belle-fille lui reconnaît peu d’égaux, sinon peut-être Abdelhadi Belkhiat. Et encore, ce dernier n'était pas comme Doukali le créateur et l'interprète de toutes ses œuvres. Il défend son génie musical, sa manière d’avoir modernisé la chanson marocaine sans jamais la déraciner.
De tout son répertoire, il porte une affection particulière pour Montparnasse, cette chanson que la radio nationale avait censurée. Sans être une chanson militante, elle abordait des thèmes sensibles pour l’époque. L’exil, la douleur des immigrés marocains en Europe, le racisme, la violence, la solitude des travailleurs arabes loin du pays. Une œuvre évoquant la mort d’un immigré arabe dans un quartier parisien, avec une tonalité aussi mélancolique et sociale, pouvait facilement être jugée dérangeante ou peu compatible avec le discours officiel optimiste de l’époque.
Montparnasse, très peu connu du grand public, portait une tristesse sociale inhabituelle dans la chanson marocaine populaire. Elle montrait l’envers du rêve d’émigration. Doukali savait suggérer sans crier. Dire beaucoup avec presque rien. Chez lui, même la nostalgie avait une dimension politique, sans jamais perdre son élégance.
Doukali était aussi conscient de son importance dans la vie culturelle marocaine des soixante-cinq dernières années. De son vivant, il avait lui-même installé un petit musée. Une maison de mémoire où le public pouvait découvrir les médailles, les hommages, les objets souvenirs et les tableaux signés par l’artiste lui-même. Oui, Doukali était aussi peintre et un excellent communicateur.
Mais ce que le père de ma belle-fille admirait surtout chez Doukali, c’était cette élégance rare qui permet aux très grands artistes de rester proches des gens simples. Doukali appartenait autant au palais royal qu’aux cafés populaires. Sa voix pouvait accompagner un dîner officiel sous les lustres, puis continuer sa route dans un taxi fatigué de Casablanca. Peu d’artistes savent habiter autant de Maroc à la fois.
Il était un peu notre Mohamed Abdel Wahab. Un créateur au sens ancien du mot. Il prenait une phrase ordinaire et lui donnait le poids d’un souvenir. Qui d’autre pouvait transformer Ma ana illa bachar en confidence universelle ? Chez lui, même la simplicité semblait avoir été longuement travaillée par le cœur.
Avec sa disparition, ce n’est pas seulement une voix qui s’éteint. C’est une certaine lenteur marocaine qui s’éloigne. Une époque où les chansons respiraient. Où les paroles avaient le temps de s’installer dans une vie.
En quelques mois, Doukali et Belkhiat ont emporté avec eux quelque chose de nos samedis soir d’autrefois. Les radios posées sur les buffets. Les longues routes nationales. Les cassettes qu’on rembobinait avec un stylo.
Ce vendredi matin du 8 mai 2026, c’est le père de ma belle-fille qui m’a appris la nouvelle. Et son vœu s’était réalisé. Il était au Maroc. Il assisterait aux funérailles de celui qu’il avait écouté toute sa vie.
Je l’imagine quelque part dans la foule, accompagnant son artiste préféré jusqu'à sa dernière demeure, murmurant peut-être les paroles de Montparnasse comme on récite un souvenir précieux.
Plus tard dans la journée, en quittant un salon de coiffure, je me suis tourné vers quatre jeunes et je leur ai lancé spontanément, « 3azzina wahed… ». À leurs regards, j’ai compris qu’ils ignoraient la mort de Doukali. Pire encore, son nom semblait ne rien leur dire.
Alors je me suis mis à réciter quelques paroles de Ma ana illa bachar. Et soudain, leurs visages se sont éclairés. Bien sûr qu’ils connaissaient la chanson. Celle des parents. Celle des grands-parents. Celle qui voyage encore discrètement d’une génération à l’autre sans demander la permission au temps.
Doukali n’était qu’un bachar. Un être humain, comme il le chantait lui-même sur les belles paroles d’Ahmed Taib Laalej. Mais pour certains, Doukali était devenu bien davantage qu’un chanteur. Pas forcément le meilleur. Les années finissent toujours par brouiller les classements. Non. Quelque chose de plus rare. L’unique.
Celui dont la voix accompagne une vie entière. Celui qui traverse les générations.
C’est peut-être cela qui le rendait si proche de nous. Cette façon d’avoir porté la grandeur sans jamais cesser d’être humain.
Un bachar.
Un grand bachar.
Mohamed Lotfi